محمد جمال الدين القاسمي
43
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الكافرين ، فليس هو مستحقا لما يستحقه أهل الإيمان والتقوى من كرامة اللّه عزّ وجلّ ، فلا يجوز على التقديرين أن يعتقد فيه أحد أنه وليّ للّه ، لكن إن كان له حالة في إفاقته كان فيها مؤمنا باللّه متقيا ، كان له من ولاية اللّه بحسب ذلك ، وإن كان له في حال فيه كفر أو نفاق ، أو كان كافرا أو منافقا ثم طرأ عليه الجنون ، فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه ، وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق . فصل وليس لأولياء اللّه شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات ، فلا يتميزون بلباس دون لباس ، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ضفره ، إذا كان كلاهما مباحا ، كما قيل : كم من صديق في قباء ، وكم من زنديق في عباء . بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور . فيوجدون في أهل القرآن ، وأهل العلم ، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف ، ويوجدون في التجار والصناع والزراع . وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم ( القراء ) فيدخل فيهم العلماء والنساك . ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية والفقراء واسم ( الصوفية ) ، نسبة إلى لباس الصوف . هذا هو الصحيح ، وقد قيل إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء وقيل إلى ( صوفة بن أد ) قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك ، وقيل إلى أهل الصفا . وقيل إلى الصفوة ، وقيل إلى الصفة ، وقيل إلى الصف المقدم بين يدي اللّه تعالى . وهذه أقوال ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل : صفي ، أو صفائي ، أو صفي ، ولم يقل صوفي . وصار أيضا اسم الفقراء يعني به أهل السلوك ، وهذا عرف حادث وقد تنازع الناس : أيما أفضل : مسمى الصوفي أو مسمى الفقير ؟ ويتنازعون أيضا : أيما أفضل ؟ الغنيّ الشاكر ، أو الفقير الصابر ؟ والصواب في هذا كله ما قاله تبارك وتعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] وفي الصحيح « 1 » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه سئل : « أي الناس أفضل ؟ قال : أتقاهم » . فدل
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 8 - قول الله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ، حديث رقم 1587 . وأخرجه مسلم في : الفضائل ، حديث رقم 168 .